في السادس من أكتوبر عام 1973، كنت قد تخرجت من الكلية البحرية منذ ثلاثة أشهر فقط. تخرجت في الأول من يوليو من العام نفسه، وكنت الأول على دفعتي في تخصص الصواريخ البحرية، برتبة ملازم بحري تحت الاختبار. التحقت باللواء الثاني لنشات الصواريخ، وعملت مساعدًا لضابط التسليح على اللنش الصاروخي 524 تحت قيادة الرائد بحري السيد عبد المجيد، الذي كان أحد أفراد الطاقم الذي شارك في إغراق المدمرة الإسرائيلية «إيلات» في 21 أكتوبر 1967.
قبل الحرب عشت فترة التمويه كاملة. كنا نخرج في طلعات تدريبية بحرية ناحية مرسى مطروح ثم نعود إلى الإسكندرية، وكانت تبدو للجميع وكأنها مناورات سنوية معتادة، لكننا كنا نعيش حالة استعداد حقيقية لما هو قادم.
وفي صباح السادس من أكتوبر، وتحديدًا عند العاشرة، شعرت أن اليوم لم يكن يومًا عاديًا. كان النشاط داخل الوحدة محمومًا، والاجتماعات لا تتوقف، والحركة في كل مكان توحي بأن شيئًا كبيرًا على وشك أن يبدأ.
جاءني قائدي، الرائد بحري السيد عبد المجيد، وقال لي:
«يا رفعت، إحنا احتمال نطلع بحر بعد شوية، واحتمال إن الطلعة دي تكون عمليات حقيقية. وإنت لسه ملازم بحري تحت الاختبار، والقانون العسكري ما يسمحلكش تشارك في العمليات القتالية الفعلية. انزل من اللنش واستنانا في استراحة الضباط.»
حاولت أن أناقشه، وأصريت أن أخرج معهم، لكنه رفض تمامًا. أخذني إلى قائد السرب الرائد يحيى بدر، الذي نهرني بشدة بسبب إصراري، فلم يكن أمامي سوى أن أنفذ الأمر.
نزلت من اللنش.
لكنني لم أستطع أن أقبل أن تبدأ الحرب التي انتظرناها كل هذه السنوات، ويخرج زملائي إلى القتال بينما أبقى أنا على الشاطئ.
عدت خلسة إلى اللنش، واختبأت داخل قطاع إطلاق الصواريخ. بقيت في مخبئي حتى سمعت الماكينات تعمل، وشعرت باللنش يتحرك مبتعدًا عن الرصيف. كان ذلك في الثانية ظهرًا، بعد صدور البيان الأول ببدء العمليات القتالية لتحرير سيناء.
عندها فقط خرجت من مخبئي.
رآني السيد عبد المجيد، ونظر إليَّ في ذهول. أخبرني أنني ارتكبت مخالفة عسكرية خطيرة بعصيان أمر مباشر أثناء القتال، وأنه سيحبسني على اللنش حتى نعود، ثم تتم محاكمتي عسكريًا.
لكنني في تلك اللحظة لم أفكر في المحاكمة.
كنت قد وصلت إلى ما أردته.
كنت ذاهبًا إلى الحرب.
واصلنا الإبحار شرقًا، وشارك اللنش 524 مع مجموعة من لنشات الصواريخ في تنفيذ ضربة على أهداف إسرائيلية في سيناء. أُطلقت الصواريخ من البحر على مخازن السلاح في منطقة أم خشيب جنوب العريش، ثم بدأنا رحلة العودة إلى الإسكندرية.
وأثناء العودة هاجمنا الطيران المعادي، وأُصيب أحد اللنشات بقنبلة مباشرة.
عندما عدنا إلى الإسكندرية، لم تنتهِ قصتي بانتهاء المهمة.
صدر أمر بتحويلي إلى المحاكمة العسكرية بتهمة عصيان الأوامر أثناء القتال، وتم حبسي داخل مبنى القيادة تحت حراسة الشرطة العسكرية.
كنت أعلم أن التهمة شديدة الخطورة.
ولكن الغريب أنني، رغم ذلك كله، لم أشعر بالندم لأنني خرجت إلى القتال.
في اليوم التالي، السابع من أكتوبر، كنا في رمضان، وكان يُسمح لي وقت الإفطار بالخروج من محبسي تحت الحراسة والذهاب إلى اللنش 524 حتى أتناول الإفطار مع الطاقم، ثم أعود مرة أخرى.
وفي مساء الاثنين 8 أكتوبر، جلست على مائدة الطعام أمام قائدي السيد عبد المجيد. كنت في الثانية والعشرين من عمري، وكان هو في التاسعة والعشرين. كان قريبًا منا جميعًا، وكنت أشعر دائمًا أن لي مكانة خاصة عنده.
نظر إليَّ مبتسمًا وقال:
«يا رفعت، إنت لسه مصمم تطلع تحارب؟»
قلت له:
«شوف يا أفندم… سيادتك شاركت في إغراق إيلات، وشاركت في عمليات أثناء حرب الاستنزاف، ولما دخلت الحرب دي كنت عارف يعني إيه قتال. لكن إحنا الجيل الجديد اللي هيستلم القيادة بعدكم. والحرب دي مهما طالت هتنتهي. وبعد سنين ممكن يكون إحنا اللي مطلوب مننا نقود حرب جديدة. لو ما ادتولناش الفرصة دلوقتي إننا نتطعم بالقتال الفعلي، هنحارب إزاي وإحنا بقينا قادة؟»
ظل ينظر إليَّ في صمت.
حتى إن الشوكة التي كانت في يده توقفت بين الطبق وفمه.
ثم وضعها، وقف من مكانه، وقال لي:
«خليك مكانك… وبلاش غلبة.»
خرج من اللنش وتوجه إلى قائد اللواء، العقيد بحري علي جاد، وروى له ما قلته.
وبعد قليل صدر أمر بتجميع أطقم لنشات الصواريخ في طابور قائد.
وقفت خلف طاقمي.
مر قائد اللواء أمام الصفوف حتى وصل إليَّ. وقف أمامي مباشرة، ونظر في عيني طويلًا، ثم لمس صدري بطرف عصا القيادة وسألني:
«إنت رفعت زناتي؟»
قلت:
«أيوه يا أفندم.»
التفت إلى السيد عبد المجيد وقال:
«كما كنت المحاكمة… ويخرج معك للقتال في المرة القادمة.»
كانت تلك اللحظة واحدة من اللحظات التي لم أنسها طوال حياتي.
قبلها بساعات كنت متهمًا ينتظر المحاكمة.
وبعدها بساعتين فقط، كنت أستعد للخروج إلى البحر مرة أخرى، ولكن هذه المرة رسميًا، ضابطًا مسؤولًا عن الصواريخ.
وفي الثامنة مساءً أبحرنا من الإسكندرية بعد وصول معلومات عن وجود لنشات صواريخ معادية في البحر.
وبعد ساعات من الإبحار كنت واقفًا على ترابيزة الملاحة داخل البريدج، أحدد موقع اللنش على الخريطة كل عدة دقائق، عندما نزل إليَّ قائدي وسألني:
«إحنا فين دلوقتي؟»
أشرت إلى موقعنا على الخريطة.
نظر إليه ثم قال:
«عاوز تشوف اللنشات المعادية؟»
قلت:
«أيوه.»
ابتسم وقال:
«ادخل الرادار… إحنا هنهاجمهم بعد دقيقتين.»
دخلت إلى غرفة الرادار مسرعًا، فرأيت عامل الرادار محمد عبد العظيم يراقب الشاشة. سألته:
«فين اللنشات؟»
وأشار إلى نقطتين أمامه وقال:
«أهم.»
بعد ثوانٍ دوّت أجراس القتال.
تحرك كل فرد إلى موقعه.
صدر الأمر بتجهيز الصاروخين رقم 1 ورقم 2.
ثم جاء الأمر:
«إطلق رقم 1.»
انطلق الصاروخ.
ثم:
«إطلق رقم 2.»
انطلق الثاني.
عدت إلى شاشة الرادار، وشاهدت نقطتي الصاروخين تتحركان في اتجاه الهدفين، حتى وصل كل منهما إلى هدفه.
ثم اختفت النقطتان من على الشاشة.
بدأنا العودة إلى الإسكندرية بأقصى سرعة.
لكن في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل تعرضنا لهجوم من طائرات هليكوبتر معادية.
بدأنا نتحرك في خط زجزاج محاولين الإفلات من الصواريخ.
تجنبنا عدة صواريخ، لكن أحدها أصاب غرفة الماكينات إصابة مباشرة.
استشهد طاقم الماكينات.
وبدأ اللنش يغرق.
صدر الأمر بترك اللنش.
قفزنا إلى البحر.
وُضع المصابون داخل عوامة النجاة، بينما سبح القادرون منا حولها.
وسط الظلام أخبرني العسكري محمد خلف أن زميلنا أحمد أبو الحمد كان مصابًا ويحتاج إلى المساعدة.
كان على مسافة بعيدة نسبيًا.
بدأت أسبح نحوه، لكن الأوفرول والبيادة كانا يعوقانني، فخلعتهما وواصلت السباحة بملابسي الداخلية.
عندما وصلت إليه كان قد خرج من وسط النيران، وأصابت الحروق وجهه.
طمأنته، ثم أعطيته ظهري.
تعلق بي بذراعيه حول رقبتي.
وسبحت به.
لمدة ثلاث ساعات تقريبًا.
كنت أحاول أن أتحرك بأقل قدر من المجهود حتى لا تنفد طاقتي، إلى أن وصلت به إلى العوامة ووضعته داخلها.
لكننا كنا ما زلنا في عرض البحر.
وكان الظلام حولنا من كل اتجاه.
لم نكن نعرف أين الشاطئ.
فنظرت إلى السماء.
تعرفت على النجوم، وحددت النجم القطبي الذي يشير إلى الشمال الحقيقي. وبما أننا كنا شمال البرلس لحظة الهجوم، عرفت أن علينا أن نتحرك جنوبًا.
وجهت العوامة في الاتجاه المعاكس للنجم القطبي.
وظللنا نتحرك طوال الليل.
وعندما أشرقت شمس التاسع من أكتوبر استخدمتها أيضًا للحفاظ على الاتجاه نحو الساحل.
كنت أشجع الرجال من حولي، وأحاول ألا أترك اليأس يدخل إلى أحد.
وبعد ساعات بدأت ملامح الشاطئ تظهر.
فرحنا جميعًا.
لكن التيار تغير فجأة، وبدأ يسحبنا من جديد إلى عمق البحر.
وفي تلك اللحظة رأيت شيئًا أسود صغيرًا جدًا في الأفق.
وقفت وخلعت فانلتي، وبدأت ألوح بها بكل ما بقي لي من قوة.
راقبت النقطة السوداء.
توقفت.
ثم بدأت تكبر.
عرفت أنهم رأونا.
كانت مركبًا أُرسلت للبحث عنا، وكان على متنها زميلي الملازم بحري علاء عباس.
وعندما اقترب منا رأيته.
صرخت:
«علاء… علاء.»
مد يده نحوي وقال:
«إجمد يا رفعت… أنا وصلت.»
انتشلونا من البحر، ونقلونا إلى نقطة البرلس البحرية.
وكنت ما أزال بملابسي الداخلية، فأعطاني أحد الجنود الأوفرول الخاص به.
ركبت الأتوبيس الذي أرسلته القيادة لنقلنا.
ومن شدة الإجهاد، فقدت الوعي.
ولم أفق إلا بعد ثلاثة أيام في مستشفى جمال عبد الناصر.
وبعد الحرب أنعم عليَّ الرئيس محمد أنور السادات بنوط الشجاعة من الطبقة الأولى.
وهكذا انتهت الأيام القليلة التي بدأت فيها الحرب بالنسبة لي بأمر يمنعني من القتال، ثم بمحاكمة عسكرية تنتظرني، وانتهت بأن أصبحت واحدًا ممن خاضوا المعركة فعليًا، وعاشوا الغرق والنجاة، وحملوا معهم ذكرى رجال لم يعودوا إلى الشاطئ.
وبعد سنوات طويلة من تلك الليالي، واصلت عملي في المجال البحري، وانتقلت من ضابط شاب كان يصر على أن يخوض تجربته الأولى في الحرب، إلى العمل في تدريب القباطين ونقل الخبرة إلى أجيال أخرى.
لكن السادس من أكتوبر ظل اليوم الذي بدأ فيه كل شيء.

